القاضي عبد الجبار الهمذاني

165

المنية والأمل

والرابعة : دار الابتداء ، التي خلق الخلق فيها ، قبل أن يهبطوا إلى دار الدنيا ، وهي الجنة الأولى . والخامسة : دار الابتلاء ، وهي التي كلف الخلق فيها ، بعد أن اجترحوا في الأولى . وهذا التكوير والتكرير لا يزال في الدنيا ، حتى يمتلئ المكيالان . مكيال الخير ومكيال الشر ، فإذا امتلأ مكيال الخير ، صار العمل كله طاعة ، والمطيع خيرا خالصا ، فينقل إلى الجنة ، ولم يلبث طرفة عين ، فإنّ مطل الغني ظلم ، وفي الحديث « أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه » وإذا امتلأ مكيال الشر ، صار العمل كله معصية ، والعاصي شريرا محضا ، فينقل إلى النار ، ولم يلبث طرفة عين ، وذلك قوله تعالى « فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » « 1 » . البدعة الثالثة : حلمهما كل ما ورد في « الخبر » . من رؤية الباري تعالى ، مثل قوله عليه السلام « إنكم سترون ربكم يوم القيامة ، كما ترون القمر ليلة البدر ، لا تضامون في رؤيته » على رؤية العقل الأول ، الذي هو أول مبدع ، وهو العقل الفعال ، الذي عنه تفيض الصور على الموجودات ، وإياه عنى النبي عليه السلام بقوله « أول ما خلق اللّه تعالى ( العقل ) فقال له : ( أقبل ) فأقبل ، ثم قال له : ( أدبر ) فأدبر ، فقال : وعزتي وجلالي ، ما خلقت خلقا أحسن منك ! بك أعز ، وبك أذل ، وبك أعطي ، وبك أمنع . فهو الذي يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه ، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر ، فأما واهب ( العقل ) فلا يرى البتة ، ولا يشبه إلا مبدع بمبدع . وقال ابن خابط : إن كل نوع من أنواع الحيوانات ( أمة ) على حيالها ، لقوله تعالى . ( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ) « 2 » وفي كل أمة ، رسول من نوعه ، لقوله تعالى : « وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) « 3 »

--> ( 1 ) الأعراف ( 34 ) ( 2 ) الأنعام ( 38 ) ( 3 ) فاطر ( 24 )